أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

239

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « في الأرض » يحتمل أن يتعلّق ب « تعثوا » وهو الظاهر ، وأن يتعلّق بمفسدين . قوله تعالى : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ : ناصب ومنصوب ، والجملة في محلّ نصب بالقول ، وقد تقدّم الكلام على « لن » ، وقوله « طعام واحد » وإنما كانا طعامين وهما المنّ والسّلوى ؛ لأنّ المراد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل ، فأريد نفي التبدّل والاختلاف ، أو لأنهما ضرب واحد لأنهما من طعام أهل التلذّذ والترف ، ونحن أهل زراعات ، لا نريد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة ، أو لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر أو لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد ، وقيل : كنوا بذلك عن الغنى ، فكأنهم قالوا : لن نرضى أن نكون كلّنا مشتركين ، في شيء واحد فلا يخدم بعضنا بعضا وكذلك كانوا ، وهم أوّل من اتّخذ الخدم والعبيد . والطعام : اسم لكل ما يطعم من مأكول ومشروب ، ومنه « وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ » « 1 » وقد يختصّ ببعض المأكولات كاختصاصه بالبرّ والتمر ، وفي حديث الصدقة : « أو صاعا من طعام أو صاعا من شعير » « 2 » ، والطّعم بفتح الطاء المصدر أو ما يشتهى من الطعام أو ما يؤدّيه الذّوق ، تقول : طعمه حلو وطعمه مرّ ، وبضمّها الشيء المطعوم كالأكل والأكل ، قال أبو خراش « 3 » : 500 - أردّ شجاع البطن لو تعلمينه * وأوثر غيري من عيالك بالطّعم « 4 » وأغتبق الماء القراح فأنتهي * إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم أراد بالأول المطعوم وبالثاني ما يشتهى منه ، وقد يعبّر به عن الإعطاء ، قال عليه السّلام : « إذا استطعمكم الإمام فأطعموه » « 5 » أي : إذا استفتح فافتحوا عليه ، وفلان ما يطعم النوم إلا قائما ، قال : 501 - نعاما بوجرة صفر الخدو * د ما تطعم النّوم إلا صياما « 6 » قوله : فَادْعُ اللغة الفصيحة « ادع » بضم العين من دعا يدعو ، ولغة بني عامر : فادع بكسر العين ، قال أبو البقاء : « لالتقاء الساكنين ، يجرون المعتلّ مجرى الصحيح ، ولا يراعون المحذوف » يعني أنّ العين ساكنة لأجل الأمر ، والدال قبلها ساكنة ، فكسرت العين ، وفيه نظر ، لأن القاعدة في هذا ونحوه أن يكسر الأول من الساكنين لا الثاني ، فيجوز أن يكون [ من لغتهم ] دعى يدعي مثل رمى يرمي . والدعاء هنا السؤال ، ويكون بمعنى التسمية كقوله : 502 - دعتني أخاها أمّ عمرو « 7 » . . . * . . .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 249 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب فرض صدقة الفطر ( 1503 ) ، ( 1511 ) ، ومسلم ( 984 ) في الزكاة والترمذي في الزكاة ( 984 ) ، النسائي ( 5 / 47 ) ، باب فرض زكاة رمضان . ( 3 ) خويلد بن مرة من بني هذيل من مضر شاعر مخضرم وفارس فاتك مشهور توفي نحو سنة 15 ه ، الأغاني ( 21 / 38 ) ، الأعلام ( 2 / 325 ) . ( 4 ) البيتان في ديوان الهذليين ( 2 / 128 ) ، اللسان « طعم » ، القرطبي ( 1 / 423 ) . ( 5 ) لم أجده مرفوعا ولكن موقوف على سيدنا علي كرّم اللّه وجهه . ( 6 ) البيت لبشر بن أبي خازم وهو في اللسان « طعم » ، القرطبي ( 1 / 423 ) . ( 7 ) جزء من صدر بيت لعبد الرحمن بن الحكم وهو : . . . ولم أكن * أخاها ولم أرضع لها بلبان وانظر البيت في شرح المفصل لابن يعيش ( 6 / 27 ) ،